خليل الصفدي

312

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

قد نزل عن الأمر ، وأكبر الأسباب في نفور الناصر من ولده الوزير نصير الدين ابن مهدي العلوي ، ولم يزل الإمام الناصر مدّة حياته في عزّ وجلالة وقمع الأعداء والاستظهار على الملوك لم يجد ضيما ولا خرج عليه خارجيّ إلا قمعه ولا مخالف إلا دمغه ، ومن أضمر له سوءا رماه اللّه بالخذلان . قال محبّ الدين ابن النجار : حدّثني حماد بن أبي البركات الفتح وكان صدوقا متديّنا قال : حدثني الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب الشام وديار مصر وكنت قد دخلت عليه وأعطيته مكتوبا من الديوان قال : وصل إلينا من عندكم رجل يعرف بأبي رشيد ابن أبي منصور البوشنجي واتّصل بخدمتنا وصار له اختصاص بنا وتقرّب إلينا وحسن حاله فأرسلته إلى الديوان العزيز في رسالة فمضى وعاد وأنا نازل على صور من ساحل الشام محاصر لها فاتّصل بنا إلى العسكر وأدّى جواب الرسالة فقلت له : كيف تركت أمير المؤمنين ؟ فأجاب بما لا يجوز التفوّه به وظنّ أن ذلك يسرّني فزبرته ونهيته عن ذلك وقلت له : هذا بيت مؤيّد محروس من اللّه من قصده بسوء عاد عليه ، ثم إنّه خرج متوجها إلى الموضع الذي فيه رحله فلما فارقناه قليلا أتاه سهم غرب فيه ياسيج « 1 » فدخل في صدره وخرج من ظهره وخرّ صريعا في الحال وحمل إلى رحله وتسابق الغلمان إليّ بالحال فعجبت من تعجيل اللّه سبحانه عقوبته ، انتهى . وكان الإمام الناصر شديد الاهتمام بالملك ومصالحه لا يكاد يخفى عليه شيء من أمور رعيّته كبارهم وصغارهم ، وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة ، وكانت له حيل لطيفة ومكايد خفيّة وخدع لا يفطن لها أحد ، يوقع الصداقة بين ملوك متعادين ويوقع العداوة مع ملوك متّفقين وهم لا يشعرون . ولمّا دخل رسول صاحب مازندران بغداذ كان يأتيه ورقة [ كلّ ] صباح بما عمل في الليل ، وصار يبالغ في الكتم والورقة تأتيه فاختلى ليلة بامرأة دخلت

--> ( 1 ) ياسيج : لفظة فارسية تعني سهما محدّد الرأس وربما كان اسم الملك مكتوبا عليه .